الشوكاني
458
فتح القدير
ذلك . والظاهر أنه سبحانه يعطيه ما يرضى به من خيري الدنيا والآخرة ، ومن أهم ذلك عنده وأقدمه لديه قبول شفاعته لأمته ( ألم يجدك يتيما فآوى ) هذا شروع في تعداد ما أفاضه الله سبحانه عليه من النعم : أي وجدك يتيما لا أب لك فآوى : أي جعل لك مأوى تأوي إليه ، قرأ الجمهور " فآوى " بألف بعد الهمزة رباعيا ، من آواه يؤويه ، وقرأ أبو الأشهب " فأوى " ثلاثيا ، وهو إما بمعنى الرباعي ، أو هو من أوى له إذا رحمه . وعن مجاهد معنى الآية : ألم يجدك واحدا في شرفك لا نظير لك فآواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك ، فجعل يتيما من قولهم درة يتيمة ، وهو بعيد جدا ، والهمزة لإنكار النفي وتقرير المنفى على أبلغ وجه ، فكأنه قال : قد وجدك يتيما فآوى ، والوجود بمعنى العلم ، ويتيما مفعوله الثاني ، وقيل بمعنى المصادفة ، ويتيما حال من مفعوله ( ووجدك ضالا فهدى ) معطوف على المضارع المنفي ، وقيل هو معطوف على ما يقتضيه الكلام الذي قبله كما ذكرنا : أي قد وجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ، والضلال هنا بمعنى الغفلة ، كما في قوله - لا يضل ربي ولا ينسى - وكما في قوله - وإن كنت من قبله لمن الغافلين - والمعنى : أنه وجدك غافلا عما يراد بك من أمر النبوة ، واختار هذا الزجاج . وقيل معنى ضالا : لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع فهداك لذلك . وقال الكلبي والسدي والفراء : وجدك في قوم ضلال فهداهم الله لك . وقيل وجدك طالبا للقبلة فهداك إليها كما في قوله - قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها - ويكون الضلال بمعنى الطلب . وقيل وجدك ضائعا في قومك فهداك إليه ، ويكون الضلال بمعنى الضياع . وقيل وجدك محبا للهداية فهداك إليها ، ويكون الضلال بمعنى المحبة ، ومنه قول الشاعر : عجبا لعزة في اختيار قطيعتي * بعد الضلال فحبلها قد أخلقا وقيل وجدك ضالا في شعاب مكة فهداك : أي ردك إلى جدك عبد المطلب ( ووجدك عائلا فأغنى ) أي وجدك فقيرا لا مال لك فأغناك ، يقال عال الرجل يعيل عيلة : إذا افتقر ، ومنه قول أحيحة بن الجلاح : فما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغنى متى يعيل أي يفتقر . قال الكلبي : فأغنى : أي رضاك بما أعطاك من الرزق ، واختار هذا الفراء ، قال : لأنه لم يكن غنيا من كثرة ، ولكن الله سبحانه رضاه بما آتاه ، وذلك حقيقة الغنى . وقال الأخفش : عائلا ذا عيال ، ومنه قول جرير : الله أنزل في الكتاب فريضة * لابن السبيل وللفقير العائل وقيل فأغنى بما فتح لك من الفتوح ، وفيه نظر ، لأن السورة مكية ، وقيل بمال خديجة بنت خويلد ، وقيل وجدك فقيرا من الحجج والبراهين فأغناك بها . قرأ الجمهور " عائلا " وقرأ محمد بن السميفع واليماني " عيلا " بكسر الياء المشددة كسيد . ثم أوصاه سبحانه باليتامى والفقراء فقال ( فأما اليتيم فلا تقهر ) أي لا تقهره بوجه من وجوه القهر كائنا ما كان . قال مجاهد : لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما . قال الأخفش : لا تسلط عليه بالظلم ، ادفع إليه حقه واذكر يتمك . قال الفراء والزجاج : لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه ، وكذا كانت العرب تفعل في حق اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحسن إلى اليتيم ويبره ويوصي باليتامى . قرأ الجمهور " فلا تقهر " بالقاف ، وقرأ ابن مسعود والنخعي والشعبي والأشهب العقيلي " تكهر " بالكاف ، والعرب تعاقب بين القاف والكاف . قال النحاس : إنما يقال كهره : إذا اشتد عليه وغلظ ، وقيل القهر الغلبة ، والكهر الزجر . قال أبو حيان : هي لغة : يعني قراءة الكاف مثل قراءة الجمهور ، واليتيم منصوب